ابن الجوزي

82

صيد الخاطر

عليه الصلاة والسلام يأكل لحم الدجاج ، ويحب الحلوى والعسل ، ودخل فرقد السبخي على الحسن وهو يأكل الفالوذج . فقال : يا فرقد ما تقول في هذا ؟ فقال : لا آكله ولا أحب من أكله . فقال الحسن : لعاب النحل ، بلباب البر ، مع سمن البقر ، هل يعيبه مسلم ؟ وجاء رجل إلى الحسن فقال : ان لي جارا لا يأكل الفالوذج . فقال : ولم ؟ قال ، يقول لا أؤدي شكره ، فقال : ان جارك جاهل وهل يؤدي شكر الماء البارد ؟ وكان سفيان الثوري يحمل في سفره الفالوذج ، والحمل المشوي . ويقول : ان الدابة إذا أحسن إليها عملت . وما حدث في الزهاد بعدهم من أمور هذا الفن مسروقة من الرهبانية وأنا خائف عليهم من قوله تعالى : « لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ » . « وَلا تَعْتَدُوا » * . ولا يحفظ عن أحد من السلف الأول من الصحابة من هذا الفن شيء إلا أن يكون ذلك لعارض ، وسبب ما يروى عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه اشتهى شيئا فآثر به فقيرا ، وأعتق جاريته رميثة « 1 » ، وقال : انها أحبّ الخلق اليّ ، فهذا وأمثاله حسن ، لأنه إيثار بما هو أجود عند النفس من غيره ، وأكثر لها من سواه ، فإذا وقع في بعض الأوقات ، كسرت بذلك الفعل سورة هواها أن تطغى بنيل كل ما تريد ، فأما من دام على مخالفتها على الاطلاق ، فإنه يعمي قلبها ، ويبلّد خواطرها ، ويشتت عزائمها ، فيؤذيها أكثر مما ينفعها ، وقد قال إبراهيم بن أدهم : إن القلب إذا أكره عمي ، وتحت مقالته سر لطيف ، وهو أن اللّه عز وجل قد وضع طبيعة الآدمي على معنى عجيب ، وهو انها تختار الشيء من الشهوات مما يصلحها ، فتعلم باختيارها له صلاحه ، وصلاحها به . وقد قال حكماء الطب : ينبغي أن يفسح للنفس ما تشتهي من المطاعم ، وإن كان فيه نوع ضرر ، لأنها إنما تختار ما يلائمها ، فإذا قمعها الزاهد في مثل هذا عاد على بدنه بالضرر ، ولولا جواذب في الباطن من الطبيعة ما بقي البدن ، فان الشهوة للطعام تبور ، فإذا وقعت الغنية بما يتناول كف الشهوة ، فالشهوة مريد ورائد ، ونعم الباعث على مصلحة البدن ، غير أنها إذا أفرطت وقع الأذى ، ومتى منعت ما تريد على الاطلاق مع الأمن من فساد العاقبة عاد ذلك بفساد

--> ( 1 ) انظر كتابنا ( اخبار عمر ) طبع دار الفكر ، صفحة ( 576 ) .